ابو القاسم عبد الكريم القشيري

149

الرسالة القشيرية

والستر للعوام عقوبة ، وللخواص رحمة ، إذ لولا أنه يستر عليهم « 1 » ما يكاشفهم به ، لتلاشوا عند سلطان الحقيقة : ولكنه كما يظهر لهم ، يستر عليهم . سمعت منصور المغربي يقول : وافى بعض الفقراء حيا من أحياء العرب ، فأضافه شاب ؛ فبينا الشاب في خدمة هذا الفقير إذ غشى عليه ، فسأل الفقير عن حاله ، فقالوا : له بنت عم ، وقد علقها « 2 » ، فمشت في خيمتها ، فرأى الشاب غبار ذيلها ، فغشى عليه . فمضى الفقير إلى باب الخيمة ، وقال : إن للغريب فيكم حرمة وذماما ، وقد جئت مستشفعا إليك في أمر هذا الشاب ، فتعطفى عليه فيما هو به من هواك . فقالت : سبحان اللّه ، أنت سليم القلب ، إنه لا يطيق شهود غبار ذيلى ، فكيف يطيق صحبى . ؟ ! وعوام هذه الطائفة عيشهم في التجلي ، وبلاؤهم في الستر . وأما الخواص ، فهم بين طيش وعيش « 3 » ؛ لأنهم إذا تجلى لهم طاشوا ، وإذا ستر عليهم ردوا إلى الحظ فعاشوا . وقيل : إنما قال الحق تعالى لموسى عليه السلام : « وما تلك بيمينك يا موسى » ، ليستر عليه ببعض ما يعلله « 4 » به بعض ما أثر فيه من المكاشفة بفجأة السماع . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان « 5 » على قلبي حتى أستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » . والاستغفار : طلب الستر ، لأن الغفر : هو الستر ، ومنه غفر الثوب ، والمغفر ، وغيره فكأنه أخبر أنه يطلب الستر على قلبه عند سطوات الحقيقة ؛ إذ الخلق لابقاء لهم مع وجود الحق . وفي الخبر : « لو كشف « 6 » عن وجهه « 7 » لأحرقت سبحات « 8 » وجهه ما أدرك بصره » « 9 » .

--> ( 1 ) بمعنى عنهم . ( 2 ) تعلق قلبه بها . ( 3 ) بين سكر وصحو . ( 4 ) يلاطفه . ( 5 ) ليغطى . ( 6 ) أي للعبد . ( 7 ) أي وجه اللّه . ( 8 ) أي أنوار عظمة اللّه وجلاله . ( 9 ) أي أن العبد - كما قال الشيخ زكريا الأنصاري - لا يطيق رؤية الحق تعالى ولا كمال جلاله ؛ وإنما يكشف لكل عبد من رؤيته في الدنيا ما تقوى عليه بصيرته وليس المراد بقولهم « المكاشفة » و « المشاهدة » ونحوهما من الألفاظ : معاينة الذات حقيقة ، فان ذلك لا يقع في الدنيا ولا في الآخرة على الوجه المعهود .